ابن أبي الحديد

134

شرح نهج البلاغة

واختلف المتكلمون في الآجال ، فقالت المعتزلة : ينبغي أولا أن نحقق مفهوم قولنا : ( أجل ) ليكون البحث في التصديق بعد تحقق التصور ، فالاجل عندنا هو الوقت الذي يعلم الله أن حياة ذلك الانسان أو الحيوان تبطل فيه ، كما أن أجل الدين هو الوقت الذي يحل فيه ، فإذا سألنا سائل فقال : هل للناس آجال مضروبة ؟ قلنا له : ما تعنى بذلك ؟ أتريد : هل يعلم الله تعالى الأوقات التي تبطل فيها حياة الناس ؟ أم تريد بذلك أنه : هل يراد بطلان حياة كل حي في الوقت الذي بطلت حياته فيه ؟ فإن قال : عنيت الأول ، قيل له : نعم للناس آجال مضروبة بمعنى معلومة ، فإن الله تعالى عالم بكل شئ . وإن قال : عنيت الثاني ، قيل : لا يجوز عندنا إطلاق القول بذلك ، لأنه قد تبطل حياة نبي أو ولى بقتل ظالم ، والباري تعالى لا يريد عندنا ذلك . فإن قيل : فهل تقولون : إن كل حيوان يموت وتبطل حياته بأجله ؟ قيل : نعم ، لان الله قد علم الوقت الذي تبطل حياته فيه ، فليس تبطل حياته إلا في ذلك الوقت ، لا لان العلم ساق إلى ذلك ، بل إنما تبطل حياته بالامر الذي اقتضى بطلانه ، والباري تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه ، فإن بطلت حياته بقتل ظالم فذلك ظلم وجور ، وإن بطلت حياته من قبل الله تعالى فذلك حكمة وصواب . وقد يكون ذلك لطفا لبعض المكلفين . واختلف الناس : لو لم يقتل القاتل المقتول ، هل كان يجوز أن يبقيه الله تعالى ؟ فقطع الشيخ أبو الهذيل على موته لو لم يقتله القاتل ، وإليه ذهب الكرامية ، قال محمد بن الهيصم : مذهبنا أن الله تعالى قد أجل لكل نفس أجلا لن ينقضي عمره دون بلوغه ، ولا يتأخر عنه ، ومعنى الاجل هو الوقت الذي علم الله أن الانسان يموت فيه ، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ ، وليس يجوز أن يكون الله تعالى قد أجل له أجلا ، ثم يقتل قبل بلوغه أو يخترم دونه ، ولا أن